مجمع البحوث الاسلامية
241
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
ولعلّ ما ذكرنا يدفع به ما استشكلوه من إيهام التّناقض في قوله أوّلا : ( درجة ) وثانيا : ( درجات منه ) ، وقد ذكر المفسّرون للتّخلّص من الإشكال وجوها لا يخلو جلّها أو كلّها من تكلّف : منها : أنّ المراد بالتّفضيل في صدر الآية : تفضيل المجاهدين على القاعدين أولي الضّرر بدرجة ، وفي ذيل الآية تفضيل المجاهدين على القاعدين غير أولي الضّرر بدرجات . ومنها : أنّ المراد بالدّرجة في صدر الآية : المنزلة الدّنيويّة كالغنيمة وحسن الذّكر ونحوهما ، وبالدّرجات في آخر الآية : المنازل الأخرويّة ، وهي أكثر بالنّسبة إلى الدّنيا ، قال تعالى : وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ الإسراء : 21 . ومنها : أنّ المراد بالدّرجة في صدر الآية : المنزلة عند اللّه ، وهي أمر معنويّ ، وبالدّرجات في ذيل الآية : منازل الجنّة ودرجاتها الرّفيعة وهي حسّيّة ، وأنت خبير بأنّ هذه الأقوال لا دليل عليها من جهة اللّفظ . والضّمير في قوله : ( منه ) لعلّه راجع إلى اللّه سبحانه ، ويؤيّده قوله : وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً بناء على كونه بيانا للدّرجات ، والمغفرة والرّحمة من اللّه ، ويمكن رجوع الضّمير إلى الأجر المذكور قبلا . وقوله : وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً ظاهره كونه بيانا للدّرجات ، فإنّ « الدّرجات » وهي المنازل من اللّه سبحانه أيّا ما كانت فهي مصداق المغفرة والرّحمة ، وقد علمت في بعض الباحث السّابقة أنّ الرّحمة - وهي الإفاضة الإلهيّة للنّعمة - تتوقّف على إزالة الحاجب ورفع المانع من التّلبّس بها ، وهي المغفرة ، ولازمه أنّ كلّ مرتبة من مراتب النّعم ، وكلّ درجة ومنزلة رفيعة مغفرة بالنّسبة إلى المرتبة الّتي بعدها ، والدّرجة الّتي فوقها ، فصحّ بذلك أنّ الدّرجات الأخرويّة - كائنة ما كانت - مغفرة ورحمة من اللّه سبحانه ، وغالب ما تذكر « الرّحمة » وما يشابهها في القرآن تذكر معها « المغفرة » كقوله : مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ المائدة : 9 ، وقوله : وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ الأنفال : 4 ، وقوله : مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ هود : 11 ، وقوله : وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ الحديد : 20 ، وقوله : وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا البقرة : 286 ، إلى غير ذلك من الآيات . ( 5 : 46 ) عبد الكريم الخطيب : وإذ ذكر القتل والقتال . فقد استدعى ذلك ذكر الجهاد في سبيل اللّه ؛ إذ كان أكثر ما يكون القتل وإراقة الدّماء في هذا الوطن ؛ حيث يصطدم الحقّ بالباطل ، ويلتقي المسلمون والكافرون بسيوفهم . والجهاد أكرم الطّرق إلى اللّه ، وأوسعها إلى مرضاته ورحماته . ومنازل المسلمين تختلف باختلاف حظوظهم من البذل والتّضحية في هذا الموطن ، موطن الجهاد في سبيل اللّه . فهناك مجاهدون بأموالهم وأنفسهم ، وهناك قاعدون لم يجاهدوا بأموالهم أو أنفسهم ، وهناك - بين هؤلاء وأولئك - مؤمنون لهم أعذار تحول بينهم وبين الجهاد بالمال أو بالنّفس ، بأن كانوا فقراء ، أو كانوا ذوي عاهات ، تحجزهم عن حمل السّيف ، ولقاء العدوّ . وفي قوله تعالى : لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ . . . بيان لما بين المجاهدين في سبيل اللّه بأموالهم وأنفسهم ، وبين